محمد بن جرير الطبري
66
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وأما ما حكي عن ابن عيينة من التأويل الذي ذكرناه ، فتأويلٌ خطأ لا معنى له ، لوجوه شتى : أحدها : أنه خلافٌ لقول جميع أهل التأويل . والثاني : أنه معلوم أن ضلال إحدى المرأتين في الشهادة التي شهدت عليها ، ( 1 ) إنما هو ذهابُها عنها ونسيانها إياها ، ( 2 ) كضلال الرجل في دينه : إذا تحيَّر فيه فعدَل عن الحق ( 3 ) . وإذا صارت إحداهما بهذه الصفة ، فكيف يجوز أن تصير الأخرى ذكرًا معها ، مع نسيانها شهادتها وضلالها فيها ؟ ولَلضّالة منهما في شهادتها حينئذ ، ( 4 ) لا شك أنها إلى التذكير أحوجُ منها إلى الإذكار ، إلا إن أراد أنّ الذاكرة إذا ضَعُفت صاحبتُها عن ذكر شهادتها شحذَتها على ذكر ما ضعفت عن ذكره فنسيته ، ( 5 ) فقوتها بالذكر حتى صيرتها كالرجل في قوتها في ذكر ما ضعفت عن ذكره من ذلك ، ( 6 ) كما يقال للشيء القوي في عمله : " ذَكرٌ " ، وكما يقال للسيف الماضي في ضربه : " سيف ذكر " ، و " رجل ذَكَر " يراد به : ماض في عمله ، قويّ البطش ، صحيحُ العزم . فإن كان ابن عيينة هذا أراد ، فهو مذهبٌ من مذاهب تأويل ذلك ؟
--> ( 1 ) في المطبوعة : " أنه معلوم بأن ضلال . . . " بزيادة الباء ، وهو لا خير فيه ، والصواب من المخطوطة . ( 2 ) في المطبوعة : " إنما هو خطؤها عنها بنسيانها " ، والصواب من المخطوطة ، غير أنها أسقطت الواو قبل " ونسيانها " . ( 3 ) انظر تفسير " الضلال " فيما سلف 1 : 195 / ثم 2 : 495 ، 496 . ( 4 ) في المطبوعة : " فالضالة منهما " ، وفي المخطوطة : " ولا الضالة منهما " ، والصواب ما أثبت . ( 5 ) في المطبوعة : " ستجرئها على ذكر ما ضعفت عن ذكره . . . " ، وفي المخطوطة : " سحدتها " غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت . مجاز من قولهم : " شحذ السكين والسيف " : حدده بالمسن ومنه : " شحذ الجوع معدته " ، إذا أضرمها وقواها على الطعام وأحدها . ويقال : " اشحذ له غرب ذهنك " ، و " هذا الكلام مشحذة للفهم " . ( 6 ) في المخطوطة : " فقوته بالذكر " ، وما في المطبوعة أجود .